الاثنين، 1 يونيو 2026

أمة على شفا الهاوية ... بقلم : معز ماني . تونس

 أمة على شفا الهاوية  ...

بقلم : معز ماني . تونس


.

في زمن يختلط فيه الضياء بالعتمة، وترفع فيه رايات الزيف باسم الدين، نجد أمة بأكملها تتهاوى بلا مقاومة، تسير وئيدة نحو القاع، تدعي العزة وهي في ذل مقيم، تتغنى بالمجد وهي رهينة الهوان. 

أمة تدعي الإسلام، لكنها لا تعرف من الإسلام سوى اسمه، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم سوى رسمه. لقد انحرفت البوصلة، وذابت المعايير، وصار التبجح بالإيمان غطاء للفجور، والتدين قناعا يخفي وراءه كل موبقة.

هذه الأمة التي تحمل إرث الرسالة، صارت عارا عليها، إنها لا تعاني من الجهل فحسب، بل من الادعاء الملوّث، من التصفيق للمفسدين، من عبادة الرموز بدل عبادة الله، ومن الاستسلام لكل طغيان يرفع راية باسم الدين.

إننا أمام حالة إنهيار حضاري، لا تشبه حتى الجاهلية الأولى، تلك الجاهلية التي وإن عبدت الأصنام، عرفت الشرف، والوفاء، والحياء، ورفضت أن تقتل في الأشهر الحرم.

أما اليوم، فنحن أمام أمة تقتل في الأشهر، وفي الحرم، وفي صمت الضمير، تسفك الدماء باسم الأمن، وتنهش الأخوة باسم الوطنية، وتصمت على الحق خشية لقمة أو منصب، حتى غدا الباطل سلطانا، والحق منبوذا منبوحا عليه.

أيها القارئ، لا تتعجل الإنكار، انظر حولك، من ذا الذي لا يرى أن الأمة ، في صورتها العامة ، قد باعت أخلاقها في سوق السياسة، وتخلت عن وعيها في أحضان الإعلام، وتحولت من نور يهدي إلى وقوديستثمر؟ لا، لسنا بخير، ولسنا فقط ضحايا… نحن الجناة على أنفسنا،ولا أستثني نفسي .

انفصام بين الشعار والسلوك :

لقد بلغنا زمنا غريبا، صار فيه الدين يعلق في الرقاب كتميمة، لا يترجم في الأفعال، ولا يترجم في المعاملات. ترى المساجد ممتلئة في الجمع، والقلوب خاوية من الرحمة. نعيش عصر الادعاء المقدس، حيث يستعمل الدين للتفريق لا للجمع، وللإدانة لا للهداية، وللتسلط لا للتحرير.

إنها أمة ترتل القرآن ولا تعمل به، تحفظ الآيات وتحرق القيم. تنحني لرمضان، وتغدر في الأسواق. 

تصوم عن الطعام، ولا تصوم عن الظلم. تكثر الحديث عن السنة، وتغتال أخلاق صاحبها. 

محمد صلى الله عليه وسلم بريء من هذا التزييف، من هذه الأقنعة التي يختبأ خلفها الطغاة والمنافقون، ومن هذه العقول التي تبارك الاستبداد طالما أنه يرفع المصاحف على الأسنة.

إنه التناقض الفاضح، بل الفاجع، بين ما ندعيه وما نفعله. نحن نرفع شعارات "العدل"، ونسكت عن الظلم. نهتف "الإخاء"، ونحرض على التفرقة. نبكي على "القدس"، ونغلق الأبواب في وجه جيراننا. نحن ندعي أننا أمة الإسلام، في حين أن سلوكنا ينطق بكفران القيم، وجحود المبادئ، ووأد الضمير.

لقد تحول الدين عندنا إلى طقوس خاوية، وإلى شعارات في المهرجانات، وإلى تبريرات للضعف، والسكوت، بل وحتى للخذلان. 

صرنا نستخدم "الإيمان" لنخدر أنفسنا من الوجع، لا لنواجه أسباب وجعنا. فهل نحن حقا مسلمون؟ أم أننا ارتكبنا جريمة خيانة ضد المعنى الأصيل للإسلام، وجعلناه مرآة نرى فيها ما نشتهي، لا ما ينبغي أن نكون؟.

قلب الموازين : رحماء مع العدو، أشداء على الأخ .

في المفارقة التي تبكي القلوب وتدمع لها المآذن، أصبحنا أرحم بأعدائنا من إخواننا، نحسن الظن بالمعتدي، ونسفك الكرامة على أبواب الإخوة. 

نقيم موائد السلام لمن سفك دماءنا، ونكسر الخبز مع من دنس مقدساتنا، بينما نضرب صدورنا بسياط الكراهية كلما اختلف معنا من يحمل ذات القبلة.

لقد انقلبت الموازين، لا على يد الجهلاء فحسب، بل بأيدينا جميعا، صرنا نتقن فن العداء الداخلي، حتى صار الواحد منا يخاف أخاه أكثر مما يخاف العدو. 

أصبحنا نمنح أعداءنا الغفران بلا شروط، ونسلب إخواننا أبسط حق في الاختلاف بلا محاكمة. لا عجب أن سقطت هيبتنا بين الأمم، فما هزمنا من الخارج إلا بعد أن تفكك الداخل.

تتحدث الأمة اليوم عن الوحدة، لكنها لا تعرف كيف تحترم المختلف. تتغنى بالأخوة الإسلامية، لكنها أول من يطعن صدور أبنائها إن اختلفوا مذهبا أو رأيا أو لونا سياسيا. 

أصبحت أصوات البنادق موجهة إلى الصدور العارية في الأزقة والقرى، لا إلى صدور المحتلين والمتغطرسين. نصر على اقتلاع بعضنا من جذور الأمة، ونتأفف من فكرة "الصفح"، وكأن الرحمة لم تكن جوهر هذا الدين.

أي إسلام هذا الذي يعفو عن الغازي، ويكفر الجار؟ أي دين نعتنقه، إن كانت المعركة الكبرى فيه تشن على أشباهنا لا أضدادنا؟ كيف ننتصر، ونحن نسكت أصوات الحقّ حين تصدح في الداخل، ونصفق لصوت الباطل حين يأتي من الخارج في زي المصالح؟.

نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة، لا في العقيدة ، فالعقيدة محفوظة ، بل في السلوك، في المنهج، في فهم الدين الذي صار عباءة يلبسها من شاء ليمزق بها الآخرين.

الجاهلية المعاصرة: حين يكون الجهل مقدسا .

إننا لا نعيش اليوم جاهلية تشبه الأولى، بل نغوص في جاهلية أكثر ظلمة، وأشد قسوة، وأخطر لبسا. 

فالجاهلية الأولى ، برغم ضلالها ، كانت تحمل في طياتها أخلاقا فطرية: كانوا يكرمون الضيف، يعفون عن القتال في الأشهر الحرم، يحمون المستجير، ويغارون على العرض والدم. 

أما جاهلية اليوم، فممسوخة، ملوثة، متقنعة بقناع الدين، لكنها أبعد ما تكون عن جوهره.

لقد صارت الجاهلية الجديدة ممنهجة، تدرس باسم الدين، وتفرض باسم الطاعة، وتمارس باسم الفتوى. 

نعيش زمنا ترفع فيه رايات الإسلام على ألسنة لا تعي معناه، وتتلى فيه آيات الله بأفواه تجحد مقاصدها. 

نبرر القتل بآيات الرحمة، ونمارس الطغيان متدثرين بثياب الورع. أي انحراف هذا الذي يجعل الدين جسدا بلا روح، وشعائر بلا عدل، ومنابر بلا نور؟ .

وفي الجاهلية الحديثة، أصبح الجهل نفسه مقدسا، بل ألبس ثوب الحكمة والفتوى، وصار التبعية فقها، والانقياد نصيحة، والتفكير جريمة تستوجب التبديع. 

لقد أقصي العقل، وصودر الاجتهاد، وشيدت الأصنام الفكرية على أنقاض النص الصافي. 

كل من تساءل أو ناقش أو طلب فهما أعمق، سُحب من بين صفوف الأمة واتهم في دينه، بل وربما دفن في صمته وهو على قيد الحياة.

الجهل اليوم يتغلغل في خطب الجمعة، وفي مناهج التعليم، وفي الإعلام، حتى صار وعي الأمة هشا، مسطحا، خاضعا للانفعالات لا للبصيرة. 

نحرك الجماهير بعناوين عاطفية، ونغفل عن البناء الجاد للعقل المسلم، وهنا مكمن الهزيمة: أمة لا تفكر، لا تقرأ، لا تحاور، ولا تراجع ذاتها، هي أمة معرضة للانهيار حتى إن رفعت المصاحف على أسنة الرماح.

الجاهلية اليوم ليست نقيض الإسلام، بل هي نقيض روحه. إنها تمثل انفصالا كاملا بين الظاهر والباطن، بين العبادة والسلوك، بين العلم والعمل، بين الشعار والممارسة. جاهلية بأسماء مستعارة، بأصوات من داخل البيت، وبأيد تهدم ما تبنيه الشريعة باسمها.

انهيار منظومة الأخلاق: حين تزهق روح الرسالة .

ما الذي يبقى من الإسلام إذا انهارت الأخلاق؟

وما الذي يميز أمة نزل فيها وحي السماء، إذا استبدلت القيم بالمصالح، والضمير بالخوف، والعدل بالمجاملات؟

لقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، لا ليزيد عدد المصلين، بل ليقيم ميزان الرحمة، وليزرع في الأرض إنسانا يتعامل مع الآخر على قاعدة العدل لا الهوى، والحق لا الهوية، والضمير لا الطائفة.

لكننا اليوم أمام انهيار مدو لمنظومة الأخلاق التي كانت لب الرسالة ومحرك حضارتها.

انقلبت الموازين، فتقدم السفيه، وتراجع الشريف، وصار الكذب دهاء، والنفاق حنكة، والخيانة دهاء سياسيا.

انمحى الحياء من وجوه كثيرين، وصار القبح يسوق تحت اسم الواقعية، والميوعة تروج تحت اسم الفن، والانحراف يجمل تحت شعار الحرية.

أين نحن من الصدق؟ من الأمانة؟ من الشجاعة الأدبية؟

لقد تحول المجتمع إلى مسرح كبير للأقنعة:

مسؤول يخطب عن الأمانة وهو غارق في الفساد.

داعية يحرض على الكراهية باسم الدين، ثم يتباكى على صورة الإسلام في الإعلام.

أفراد يتظاهرون بالتقوى علنا، ويرتكبون أبشع ما تنكره الفطرة في الخفاء.

انهارت منظومة الأخلاق لأننا فصلناها عن العبادة، فصرنا نركع بلا خشية، ونسجد بلا ورع، ونصوم عن الطعام لا عن الفحش، ونحج إلى بيت الله وقلوبنا هجرت معاني التواضع والرحمة.

نسينا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء، وأن الصدقة تزكي النفس، وأن الدين معاملة قبل أن يكون طقسا.

لقد بتنا رحماء على الظالمين، وأشداء على الضعفاء.

نعفو عن قاتل الأطفال، ونطعن في شرف أم فقدت كل شيء.

نتعامل بفظاظة مع أقرب الناس إلينا، ونبتسم للكاميرات، ونخون مبادئنا في سبيل لايك وتفاعل.

وهنا تكمن الطامة الكبرى:

أن تنطفئ الأخلاق في مجتمع مسلم، يعني أن تنطفئ روحه.

يعني أن يتحول الدين من نور يهدي السلوك إلى قناع يخفي الوجوه القبيحة.

يعني أن تزهق الرسالة في مهدها، لا لأننا لم نحفظ النصوص، بل لأننا خنقنا القيم التي جاءت تلك النصوص لتغرسها.

لقد انتصر التدين الزائف على الإيمان الحقيقي في كثير من مياديننا، ففقدنا النور، وامتلأت المساجد لكن خلت الشوارع من الأخلاق.

والأخطر من ذلك أن هذا التدين المزيف صد الناس عن الدين الحق، فكرهوه لا لأنه مؤذ، بل لأنهم رأوا فيه وجوها كاذبة، وألسنة تقتل باسم الله.

الإيمان الحق لا يرى في المآذن، بل في مواقف الشرف، في الصدق حين يخاف الناس، في الرحمة حين يقسى القلب، في النزاهة حين يعم الفساد.

إنه شعلة تضيء في القلب، لا زينة تعلق على الجسد.

هل نحن من أتباع محمد: أم ممن كذبوه بأفعالهم ؟ .

إن الانتماء إلى مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ليس شعارا يرفع، ولا نسبا يدعى، ولا لسانا ينطق بالصلاة عليه دون أن تتبعه قلوب تهتدي بسيرته، وسلوك يقتدي بهديه. محمد لم يكن مجرد نبي يعبد اسمه، بل قدوة تعبد طريقته. وكل من زعم اتباعه ثم خالف نهجه، فقد كذبه بفعله، وإن صدقه بلسانه.

أتباع محمد هم الذين إذا وعدوا وفوا، وإذا خاصموا عدلوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، هم الذين لا يرفعون راية الإسلام على ركام الأكاذيب، ولا يرفعون سبابتهم في وجه الناس ثم يدهسون مقاصد الشريعة بأقدام مصالحهم.

فأين نحن من خلقه الكريم؟ هل نغضب للحق كما كان يغضب؟ هل نرحم الفقير كما رحم؟ هل نوقف الظالم كما وقف؟ أم أننا نرائي بالدين ونطعن في ظهره كل يوم ؟ .

لقد أصبح الإسلام اليوم عند كثيرين زينة ظاهرية، لحية مهملة أو نقاب صارخ، أو حديث مكرر دون فهم، بينما القلوب خاوية من الإيمان، والسلوك متخم بالنفاق.

محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقف في صف طاغية، ولا ليربت على كتف فاسد، ولا ليضحك في وجه ظالم. فكيف نفعل كل هذا، ثم نزعم أننا من أتباعه؟!

من يكذب، من يغش، من يظلم، من يهين الناس، من يحقر المرأة، من يقدس المال، من يصمت على منكر، من يقتل الروح باسم الشريعة. كل هؤلاء ليسوا أتباعا لمحمد، بل هم أقرب إلى من كذبوه وسخروا منه.

إن سؤال "هل نحن من أتباع محمد؟" سؤال مرعب، لأن جوابه الصادق عند كثيرين هو: لا.

نحن من شوهوا صورته، لا من حملوا نوره.

نحن من سكنوا المساجد وتركوا الرسالة.

نحن من بكوا على الإسلام، ولم يبك الإسلام عليهم.

فهل نشبهه؟ أم أننا من الذين كذبوه، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا؟ سؤال ...


0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية